الشيخ محمد رضا النعماني
75
شهيد الأمة وشاهدها
أقول : لئن كان الفارق الكيفي بين بعض المراحل وبعض حينما يعتبر طفرة وامتيازاً نوعيّاً في هوية البحث يجعلنا نصطلح على ذلك بالأعصر المختلفة للعلم ، فحقّاً إنّ علم الأصول قد مرّ على يد استاذنا الشهيد بعصر جديد ، فلو أضفناه إلى الأعصر التي قسّم إليها فترات العلم في ( المعالم الجديدة ) لكان هذا عصراً رابعاً هو عصر - ذروة الكمال - ترى فيه من الأبحاث القيّمة ، والجواهر الثمينة ، والدرر المضيئة ما يبهر العقول ، وهي تشتمل على مباحث فريدة في نوعها وفيها : ما تكون تارة جديدة على الفكر الأصولي تماماً ، أي أنّها لم تبحث من قبل . وأخرى تكون مغيّرة لما اختاره الأصحاب في أبحاثهم السابقة ببرهان قاطع وأسلوب فائق . وثالثة تكون معدّلة لنفس ما اختاره الأصحاب ، ومصلحة له ببيان لم يسبق له نظير . فمن القسم الأوّل : ما جاء به من البحث الرائع لسيرة العقلاء وسيرة المتشرّعة ، فقد تكرّر لدى أصحابنا المتأخرين التمسّك بالسيرة لإثبات حكمٍ مّا ولكن لم يسبق أحد استاذنا ( رحمه الله ) فيما أعلم في بحثه للسيرة ، وإبراز أسس كشفها ، والقوانين التي تتحكّم فيها ، والنكات التي ينبني الاستدلال بها على أساسها . ومن هذا القسم - أيضاً - بحثه القيّم عمّا أسماه بنظرية التعويض ، وهو وإن كان أقرب إلى فن البحوث الرجاليّة منه إلى الأصول ، ولكنّه قد بحثه بالمناسبة ضمن مباحث حجّيّة خبر الواحد ، ووضّح فيه كيف أنّنا نعوّض - أحياناً - المقطع السندي المشتمل على الضعف البارز في سند الحديث بمقطع آخر غير بارز لدى الناظر بالنظرة الاوّليّة . وهذا الأمر وإن وجدت بذوره لدى من تقدّم على الأستاذ ( رحمه الله ) ولكن لم أر أحدا قبله يتعرّض لهذه الفكرة على مستوى البحث العلمي ويدقّق في أسس هذا التعويض وأقسامه .